“طبابة الشعوذة” وفتاوى الفنجان.. كواليس “دعشنة” المجتمع السوري تحت مقصلة السلفية

في مشهدٍ سريالي يعكس عمق الهاوية الأخلاقية والعلمية التي انحدرت إليها البلاد، تواصل سلطة الأمر الواقع بدمشق نهجها الممنهج في “دعشنة” المجتمع السوري، عبر إحلال الفكر السلفي التكفيري مكان العقل والعلم. ولم يعد الاختطاف والإخفاء القسري وحدهما أدوات السيطرة، بل انتقلت السلطة إلى مرحلة “الاستلاب الذهني” من خلال مؤسسات استحدثتها لتطبيع الخرافة، كان آخرها ما يسمى “دائرة تراخيص العلاج القرآني”، في خطوة يعتبرها مراقبون بـ”محاولة لشرعنة الدجل تحت عباءة الدين، وتحويل السوريين إلى حقول تجارب لفتاوى القرون الوسطى”.
آخر تجليات هذا “التحول الظلامي” تجسدت في ندوات ومحاضرات أقيمت في حلب وريف دمشق، حيث حاولت مديرية الأوقاف التابعة لسلطة الجولاني فرض ما وصفته بـ “التكامل بين الرقية الشرعية والطب النفسي”. ففي مدينة حلب، أطلت شعبة التوعية بالعلاج القرآني بندوة علمية مزعومة، تهدف في جوهرها إلى سحب الصلاحيات من الطب الحديث ومنحها لـ”المعالجين بالقرآن”، في محاولة لربط الأمراض النفسية والعقلية بـ “الاضطرابات الروحية”، وهو ما يمهد الطريق لانتشار مراكز الرقية التي تدار بعقلية أمنية ودينية متشددة، تكرس تبعية الفرد للسلطة حتى في أدق تفاصيل صحته النفسية.

وفي ريف دمشق، وتحديداً في مدينة دوما، بلغت السخرية ذروتها حين تحولت المنابر الدينية في “مسجد الأتقياء” إلى منصات لملاحقة “قارئات الفنجان” وتصويرهن كخطر داهم يهدد ميزان الشرع، عبر محاضرات تشرف عليها “دائرة تراخيص العلاج القرآني”.
مصادر متابعة ترى ان “هذا الانشغال بتفاهات الأمور، في ظل ما يعاني منه الشعب السوري من جوع وقمع وفقدان السيادة، ليس عبثياً، بل هو ديدن السلطة السلفية التي تحاول إغراق المجتمع في دوامة من الترهيب الديني والتحذير من “المحرمات الصغرى” للتغطية على “الموبقات الكبرى” التي تمارسها أجهزتها الأمنية في أقبية التعذيب وبيوت الاحتجاز السرية”.

وتضيف مشيرة الى إن “ما يحدث اليوم في حلب وريف دمشق هو إعلان رسمي عن موت العقل السوري برعاية “إمارة الجولاني الورقية”، فبينما كان السوريون يطمحون لبناء دولة عصرية، يجدون أنفسهم اليوم أمام “غدة سرطانية” تزرع الجهل المركب في عقول الناشئة، وتستبدل المعايير العلمية بـ “المنهج المتوازن” الذي يخدم بقاء السلطة.
وتختم المصادر:”إن هذا النهج التكفيري الذي يستبيح الأعراض تحت مسمى “بيت الأخوات”، ويستبيح العقول تحت مسمى “العلاج الروحي”، هو الوجه الحقيقي لمشروع “الدعشنة” الذي يسلب السوريين كرامتهم وإرادتهم، ويحول المجتمع من منارة للعلم إلى ساحة للمتاجرين بالأوهام وسماسرة الفتاوى الشاذة”.



